القرطبي
219
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الشقاء والسعادة . ابن زيد : سبيل الاسلام . وقال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدره عليه ، دليله قوله عليه السلام : [ اعملوا فكل ميسر لما خلق له ] . ( ثم أماته فأقبره ) أي جعل له قبرا يواري فيه إكراما ، ولم يجعله مما يلقي على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي ( 1 ) ، قاله الفراء . وقال أبو عبيدة : " أقبره " : جعل له قبرا ، وأمر أن يقبر . قال أبو عبيدة : ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن ، قالت بنو تميم ودخلوا عليه : أقبرنا صالحا ، فقال : دونكموه . وقال : " أقبره " ولم يقل قبره ، لان القابر هو الدافن بيده ، قال الأعشى : لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر يقال : قبرت الميت : إذا دفنته ، وأقبره الله : أي صيره بحيث يقبر ، وجعل له قبرا ، تقول العرب : بترت ذنب البعير ، وأبتره الله ، وعضبت قرن الثور ، وأعضبه الله ، وطردت فلانا ، والله أطرده ، أي صيره طريدا . ( ثم إذا شاء أنشره ) أي أحياه بعد موته . وقراءة العامة " أنشره " بالألف . وروى أبو حياة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة " شاء نشره " بغير ألف ، لغتان فصيحتان بمعنى ، يقال : أنشر الله الميت ونشره ، قال الأعشى : حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر قوله تعالى : ( كلا لما يقض ما أمره ) قال مجاهد وقتادة : " لما يقض " : لا يقضى أحد ما أمر به . وكان ابن عباس يقول : " لما يقض ما امره " لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم . ثم قيل : " كلا " ردع وزجر ، أي ليس الامر : كما يقول الكافر ، فإن الكافر إذا أخبر بالنشور قال : " ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " [ فصلت : 50 ] ربما يقول قد قضيت ما أمرت به . فقال : كلا لم يقض شيئا بل هو كافر بي وبرسولي . وقال الحسن : أي حقا لم يقض : أي لم يعمل بما أمر به . و " ما " في قوله : " لما " عماد للكلام ، كقول تعالى : " فبما رحمة من الله " [ آل عمران : 159 ] وقوله : " عما قليل ليصبحن نادمين " [ المؤمنون : 40 ] .
--> ( 1 ) العوافي : طلاب الرزق من الانس والدواب والطير والمراد هنا : الوحوش والبهائم .